ابن الجوزي

275

صيد الخاطر

والتأدب بآدابهم ، وفهم ما نقل عنهم ، هو العلم النافع الذي يدع أعظم العلماء أحقر عند نفسه من أجهل الجهال . ورأيت بعض من تعبد مدة ثم فتر ، فبلغني أنه قال : قد عبدته عبادة ما عبده بها أحد ، والآن قد ضعفت . فقلت : ما أخوفني أن تكون كلمته هذه سببا لرد الكل ، لأنه قد رأى أنه عمل مع الحق شيئا ، وإنما وقف يسأل النجاة بطلب الدرجات ، ففي حق نفسه فعل . وما مثله الا كمثل من وقف يكدي « 1 » ، فلا ينبغي أن يمن على المعطي . وإنما سبب هذا الانبساط الجهل بالحقائق وأين هو من كبار علماء المعرفة « 2 » الذين كان فيهم مثل صلة بن أشيم إذا رآه السبع هرب منه ، وهو يقول إذا انقضى الليل عند صلاته : يا رب أجرني من النار ، ومثلي يسأل الجنة ؟ ! وأبلغ من ذلك قول عمر : وددت أن أنجو كفافا لا لي ولا عليّ . وقول سفيان عند موته لحماد بن سلمة : أترجو لمثلي أن ينجو من النار ؟ وقول أحمد : لا . بعد . فأنا أحمد اللّه عز وجل إذ تخلصت من جهل المتسمين بالعلم من هؤلاء الذين ذممتهم ، وبالزهد من ، هؤلاء الذين عبتهم ، فاني قد اطلعت من عظمة الخالق وسير المحققين على ما يخرس لسان الانبساط ، ويمحو النظر إلى كل فعل . وكيف أنظر إلى فعلي المستحسن ، وهو الذي وهبه لي وأطلعني على ما خفي عن غيري ، فهل ذلك بي أو بلطفه ؟ وكيف أشكر توفيقي الشكر ؟ ثم أي عالم إذا سبر أمور العلماء من القدماء لا يحتقر نفسه ، هذا في صورة العلم ، فدع معناه وأي عابد يسمع بالعباد ولا يجري في صورة التعبد ، فدع المعنى « 3 » . نسأل اللّه عز وجل معرفة تعرفنا أقدارنا ، حتى لا يبقى للعجب بمحتقر ما عندنا أثر في قلوبنا . ونرغب اليه في معرفة لعظمته تخرس الألسن أن تنطق بالادلال ونرجو من فضله توفيقا نلاحظ به آفات الاعمال التي بها نزهو حتى تثمر الملاحظة لعيوبها الخجل من وجودها . إنه قريب مجيب .

--> ( 1 ) أي يسأل : يستجدي . ( 2 ) أي معاملة اللّه . ( 3 ) يريد أن يقول : في صورته فضلا عن معناه « معنى التعبد وحقيقته » .